الغزالي

84

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

يخلق الخلق بأربعة آلاف عام وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى « 1 » . واعلم أنّ التوبة فرض عين من الذنوب الكبائر والصغائر فورا ، فإنّ الإصرار على الصغائر يلحقها بالكبائر ، قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ « 2 » . والتوبة النصوح : أن يتوب العبد ظاهرا وباطنا نادما غير عازم على العود . ومثل من تاب ظاهرا فقط كمثل مزبلة بسط عليها ديباج ، والناس ينظرون إليها ويتعجّبون منها ، فإذا كشف عنها الغطاء أعرضوا عنها ، فكذلك الخلق ينظرون إلى أهل الطاعة الظاهرة ، فإذا كشف الغطاء يوم القيامة يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ « 3 » أعرضت الملائكة عنهم ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم » . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : كم من تائب يجيء يوم القيامة يظنّ أنه تائب وليس بتائب ، أي : لأنه لم يحكم أبواب التوبة من الندم ، والعزم على عدم العود ، وردّ المظالم لأربابها إن أمكن ، واستحلالهم منها إن تيسّر ، وإلّا أكثر من الاستغفار له ولهم عسى اللّه أن يرضيهم عنه . ونسيان الذنب من أقبح المصائب . فعلى العاقل أن يحاسب نفسه ، ولا ينسى ذنبه كما قيل : يا أيّها المذنب المحصى جرائمه * لا تنس ذنبك واذكر منه ما سلفا وتب إلى اللّه قبل الموت وانزجرا * يا عاصيا واعترف إن كنت معترفا وروى الفقيه أبو الليث بسنده قال : دخل عمر رضي اللّه عنه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم باكيا ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما يبكيك يا عمر ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، بالباب شابّ قد أحرق فؤادي وهو يبكي . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أدخله يا عمر » . قال : فدخل وهو يبكي . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما يبكيك يا شاب ؟ » قال : يا رسول اللّه أبكتني ذنوب كثيرة ، وخفت من جبّار غضبان عليّ . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أشركت باللّه شيئا ؟ » قال :

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 82 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 135 . ( 3 ) سورة الطارق ، الآية : 9 .